علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

142

الصداقة والصديق

[ رأي لأبي دلف ] وسمعت أبا دلف الخزرجي يقول : أنا أستجفي الشاعر الذي يقول : واللّه لا كنت في حسابي * إلّا إذا كنت في حسابك فإن تزرني أزرك أو إن * تقف ببابي أقف ببابك وكان يقول : ما هذه الغلظة والفظاظة ، وما هذه المكايسة والمصادقة ، أفليس لو قابلك صاحبك بمثل هذا الأمر وقف الأمر بينكما ، وانتكث حبل المودّة عنكما ، ودبّت الشّحناء « 1 » في طيّ حالكما . [ كتاب أبي النفيس ] وكتب أبو النّفيس « 2 » إلى صاحب له كان يغشاه كثيرا ، ويباثّه طويلا : بسم اللّه الرحمن الرحيم ليس ينبغي - أبقاك اللّه - أن تغضب على صديقك ، إذا نصح لك في جليلك ودقيقك ، بل الأقمن « 3 » بك ، والأخلق لك أن تتقبّل ما يقوله ، وتبدي البشاشة في وجهه ، وتشكره عليه حتى يزيدك في كل حال ما يجملك ، ويكبت عدوّك ، والصديق اليوم قليل ، والنّصح أقلّ ، ولن يرتبط الصديق إذا وجد بمثل الثقة به ، والأخذ بهديه ، والمصير إلى رأيه ، والكون معه في سرّائه وضرّائه ، فمتى ظفرت بهذا الموصوف فاعلم بأنّ جدّك قد سعد ، ونجمك قد صعد ، وعدوّك قد بعد والسلام . [ لبث الهموم ] شاعر :

--> ( 1 ) ج ق - ودنت الشحناء : عداوة امتلأت منها النفس من شحن السفينة شحنا : ملأها ، وشحن عليه : حقد عليه ، وتشاحن القوم : تباغضوا . ( 2 ) ورد ذكره في الإمتاع والمؤانسة 2 / 86 ، 88 ، 89 ، 3 / 138 ، كما ورد ذكره في البصائر والذخائر 1 / 32 ، 257 . ( 3 ) القمن : الخليق والجدير والجمع قمناء . الأقمن : الأجدر .